أحمد بن محمد الخفاجي

27

تفسير آية المودة

ويجوز في الاستثناأ أن يكون متّصلا أي لا أسئلكم أجرا إلّاهذا وهو أن تودّوا أهل قرابتي . ولم يكن أجرا في الحقيقة لأن قرابته قرابتهم فكان صلتهم لا زمة لهم في المروءة وإلى هذا أشار العلّامة البيضاوي قدّس سرّه بقوله : ( نفعا منكم ) وقول أبي البقاء : ( وقيل : متّصل أي لا أسئلكم شيئا إلّاالمودّة ) . ردّه العلّامة شهاب الدين السهمي بقوله : وفي تأويله متّصلا بما ذكر [ ه ] نظر لمجيئه بالشيء الذي هو عام ، وما من استثناء منقطع إلّاويمكن تأويله بما ذكر [ ه ] ألا ترى إلى قولك : ما جاءني شيء إلّا حمار ؟ ويجوز أن يكون [ الاستثناء ] منقطعا أي لا أسئلكم أجرا قطّ ولكن أسئلكم أن تودّوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم . فإن قيل : كيف يصح كون الاستثناء متّصلا والحال إنّه يفيد كونه عليه الصلاة والسلام طالبا للأجر على تبليغ الوحي وإنّه لا يجوز لوجوه : أوّلها إنّه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء 9 أتصريحهم بنفي طلب الأجر فقال في قصّة نوح عليه السلام : ( وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) الآية وكذا في قصّة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء فبأن لا يطلب الأجر على النبوّة وتبليغ الرسالة أولى . وثانيها إنّه عليه الصلاة والسلام أيضا صرّح بنفي الطلب فقال : ( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) [ 86 ص : 38 ] وقال : ( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) [ 47 سبأ : 34 ] . وثالثها أن التبليغ كان واجبا عليه لقوله تعالى : ( بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) [ 47 / المائدة : 5 ] وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقلّ الناس قدراً فضلًا عن فخر الكائنات . ورابعها أنّ متاع الدنيا أقلّ الأشياء وأخسّها بالنسبة إلى الوحي الإِلهي وعلم النبوّة فكيف يحسن في العقل أن يطلب أخسّ الأشياء بمقابلة أشرف الأشياء ؟ وخامسها أنّ طلب الأجر يوهم التهمة وذلك ينافي القطع بصحَّة النبوّة . فثبت بهذه الوجوه أنّه لا يجوز من النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يطلب الأجر .